في الحقيقة موضوع أكثر من رائع قرأته عندما كنت أتصفح
وأحببت أن أنقله إليكم لتستفيدوا كما استفتدت أنــا نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي



مقدمة:

من المعلوم أن المدينة المنورة هي أحب بقاع الأرض إلى الله، لقوله عليه الصلاة
والسلام (اللهم كما أخرجتني من أحب البقاع إلي [وهي مكة المكرمة] فأسكنّي في أحب
البقاع إليك). والمدينة المنورة موطن أحب الخلق إلى الله وسيد رسله على الإطلاق
وذلك بنص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في صدد غزوة بدر ما نصه (كما أخرجك
من بيتك بالحق)، فقرر علماء التفسير أن معنى من بيتك هي المدينة المنورة وبذلك
تسمى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهي مهبط الملائكة المقربين، ومنزل الروح الأمين، ومثوى السادة الأنصار،
والمهاجرين الأبرار، وهي محط أنظار العالم، لا أقول العالم الإسلامي فقط، بل أقول
العالم، لأنها مقر صاحب الرسالة العظمى الذي أرسله الله ـ تبارك وتعالى ـ رحمة
للعالمين، لا للمسلمين فقط. فهي بذلك مرجع العقول ومأوى الأفئدة ومحط الأنظار.


فضل المدينة المنورة

لقد ورد في فضائل المدينة النبوية من المفاضل والمناقب الشيء الكثير وكل ذلك يدل
على علوّ مكانتها ورفعة من منزلتها، وقد جعل الله تعالى فيها من البركة ما لم يجعله في
بلد آخر حتى مكة المكرمة، كما جعل فيها من المناقب والمفاضل لم يجعلها في بلد آخر
حتى إن كثيراً من المناقب والمفاضل لا توجد في مكة المكرمة أيضاً وإن كانت مكة
المكرمة هي الأخرى قد اختصت بفضائل ومناقب ـ لكن المتتبع لما قيل في المدينتين
الكريمتين يجدا ما اختصت به المدينة النبوية أكثر مما اختصت به مكة المكرمة.

إن من الفضائل التي انحازت للمدينة النبوية أنها ضمت أعضاء النبي صلى الله عليه
وسلم الشريفة ولقد انعقد الاجتماع على تفضيلها على سائر الأمكنة لكنه حصل خلاف
أيهما أفضل المدينة أم مكة فذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعدد من التابعين
وأكثر المدنيين إلى تفضيل المدينة على مكة وهو قول بعض الشافعية. وذهب الجمهور
بما فيهم أبو حنيفة وبعض المالكية إلى تفضيل مكة على المدينة. ولست هنا بصدد
المفاضلة بين البلدتين الكريمتين فهما عينان في رأس.

وإن من إكرام الله تعالى لهذه البلدة الطاهرة أنه كما جعل الإيمان انتشر فيها ومنها إلى
أقطار الأرض، فإنه يعود إليها، ويتجمع فيها، وكلما ضعف في نفوس الخلق عاد إليها
ليتجدد، حتى تكون آخر قرية من قرى الإسلام خرابا، شأنها شأن الحية إذا راعها شيء
رجعت إلى حجرها، لتأمن وتطمئن ثم تخرج وقد تجدد نشاطها، وحيويتها. وهذا مشاهد
إلى يومنا هذا، إضافة إلى بقاء الإيمان فيها لأنها مستقره وملجأه ومأواه، كالجحر
بالنسبة للحية تأرز إليه متى شاءت، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) . ومعنى
قوله صلى الله عليه وسلم (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة) يحتمل أحد أمرين:

أحدهما: يأرز إليها ليتجدد، يستعيد نشاطه، وتزداد قوته ويقوي صاحبه ، وذلك كلما
ضعف في نفس صاحبه وذلك لأن الإيمان يخلق في نفس صاحبه ويحتاج إلى تجديد،
فالمدينة هي جحر الإيمان ومستقره وملجأه، فكلما ضعف أو تعب التجأ إليها فيتجدد فيها،
كما يتجدد نشاط الحية إذا التجأت إلى جحرها، بعد تعب البحث خارجه وإليه الإشارة في
جحرها.
ثانيهما: أن الإيمان كما بدأ في آحاد الناس وقلة منهم ثم انتشر، كذلك عند حدوث الفتن
يتقلص وينكمش من سائر الأرض، ويعود إليها كما كان.

ومما يدل على فضل هذه البلدة الطاهرة، أن دعا صلى الله عليه وسلم أن تحبب إليهم
أشد من محبتهم إلى مكة، أو أشد حباً وقد استجاب الله دعاؤه صلى الله عليه وسلم، حتى
صار يحبها جداً وظهر هذا الحب منه صلى الله عليه وسلم لها واضحاً في كثير من أفعاله
وأقواله. عن عائشة رضي الله عنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
المدينة، وعك أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: ياأبت كيف تجدك؟ ويا بلال
كيف تجدك؟، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله .... والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة.... بواد حولي إذخر وخليــل
وهل أردن يوما مياه مجنـة ....وهل يبدون لي شامة وطفيل

قالت عائشة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال: (اللهم حبب إلينا
المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها لنا، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها
فاجعلها في الجحفة). ودخول عائشة رضي الله عنها على بلال رضي الله عنه إنما كان
قبل ضرب الحجاز في أول الهجرة. ونقل الحمى إلى الجحفة لأن أهلها كانوا من اليهود
ولذلك بقي فيها الوباء إلى زمننا والله أعلم.

ومن مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم للمدينة أنه إذا كان مسافراً، ثم قدم إليها أسرع
نحوها، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر،
فنظر إلى جدران المدينة، أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها، من حبها. فإذا
أبصـر جدران المدينة أسرع السير، سواء كان على ناقة أو على دابة أو غيرها وهذا
يدل على فضل المدينة وعلى حبه عليه الصلاة والسلام العميق الشديد لها وما أشرف
رسول الله على المدينة قط، إلا عرف في وجهه البشر والفرح ، فهذا هو المشاهد حيث
إن القلوب المؤمنة تهفو إليها، وتحن وتشتاق، وتكاد تتفطر عند لقائها، كما هو الحال
عند فراق أختها مكة، وأسأل الله أن لا يحرمناها بمنه وفضله.

ولما جعل الله الإيمان يأرز ويستقر إلى المدينة،ـ كما مر ـ فإنها ستكون مأرز الإيمان إلى قيام الساعة، ويدل على هذا أيضاً أنها آخر قرية من قرى الإسلام خرابا، ولهذا يأس الشيطان أن يعبد فيها ثانية بعد أن طهرها الله تعالى، وصارت عاصمة الإسلام ومأرز الإيمان ومشع النور والهداية، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قد يأس أن يعبد بأرضكم هذه ، ولكن قد رضي منكم بالمحقرات).

ويضاف أيضاً لمفاضل البلدة النبوية أن البركة فيها جعلت ضعفي مافي البركة في مكة،
وذلك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. لأن مكة حرمها الله تعالى على لسان إبراهيم
عليه السلام أما المدينة فقد حرمها الله تعالى على لسان نبيه وصفيه محمد صلى الله
عليه وسلم، سيد المرسلين وإمام النبيين وقائد الغر المحجلين، والأنبياء عليه السلام
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم
اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة).

وإذ كان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا للمدينة المنورة، أن يبارك الله سبحانه
وتعالى في مكيالها وصاعها ومدها وتمرها .....فإنه قد عم الدعاء للمدينة بالبركة،
حيث دع الله سبحانه أن يبارك فيها هي ـ من حيث المدينة ـ بالبركة وهذا يشمل كل ما
في المدينة، لا في تمرها ومكيالها فحسب، بل يشمل كل شيء فيها وقد مر حديث أبو
هريرة رضي الله عنه قال: كان الناس إذا جاءوا أول الثمر أتوا به إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فإذا أخذه قال: (اللهم بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في
صاعنا، وبارك لنا في مدنا) والحديث رواه مسلم.

ومن حفظ الله تعالى لهذه البلدة الطيبة أن جعل لكل نقب من أنقابها أو شعب من شعابها
ملائكة يحرسونها وهذا من عناية الله تعالى بها فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها
الطاعون ولا الدجال).

وأيضاً من مظاهر حفظ الله لهذه البلدة الطيبة أنه يمنع الدجال من دخولها كما يمنعه من
دخول مكة وبيت المقدس، وكما منعها الله تعالى من دخول الدجال بها فإن الله أكرم هذه
البلدة بألا يدخلها رعبه، وإذا لم يدخلها رعبه فهو لا يدخلها من باب أولى. وأيضاً
انفرادها عن غيرها من المدن حتى مكة أن الطاعون لم يدخلها قط ولن يدخلها إن شاء
الله تعالى، وأنه محرم عليه دخولها. هذا بعض من جزئيات فضائل المدينة ومكارمها
ومناقبها وخصائصها فبلدة كالمدينة يصعب ـ في الحقيقة ـ إحصاء فضائلها وتعداد
مناقبها ولكن يكفيها شرفاً حيازة الشرف كله بسكنى المصطفى صلى الله عليه وسلم.


من أسماء المدينة المنورة

وقد كثرت أسماء هذه البلدة الطاهرة، وهذا يدل على شرفها ومكانتها، وهنا نذكر بعض أسماءها:

ـ أرض الله: قال تعالى: (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها). وذكر مقاتل
والثعلبي وغيرهما أن المراد به المدينة، وفي هذه الإضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى.

ـ أرض الهجرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة قبة الإسلام، ودار الإيمان وأرض الهجرة، ومبوأ الحلال والحرام).

ـ أكالة البلدان: أي لتسلطها على جميع الأمصار، وارتفاعها على سائر الأقطار.

ـ أكالة القرى: قال الرسول صلى الله عليه وسلم أمرت بقرية تأكل القرى) حيث أصبحت مركز الجيوش الإسلامية ومنطلقها، ومن ثم تساق إليها الغنائم.

ـ الإيمان: قال تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم). قال البيضاوي: سمى الله المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره.

ـ البارة: ـ البرَّة: عرفت بذلك لكثرة برها إلى أهلها خصوصاً والعالم عموماً.
بيت الرسول صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن
فريقا من المؤمنين لكارهون) سورة الأنفال آية5... المقصود هنا المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، لأن بيته بها.

ـ الجابرة: لعدها في حديث (للمدينة عشرة أسماء،هي المدينة وهي طيبة وطابة
ومسكينة وجابرة.....)، لأنها تجبر الكسير بانتسابه إليها، وتغني الفقير بإحسانها،
وأضعاف البركة في مدها، وقد حبرت البلاد على الإسلام.

ـ الجُنة الحصينة: أي الوقاية كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد أنه قال:
(أنا في جنة حصينة).

ـ الحبيبة: من محبته عليه الصلاة والسلام لها ودعائه حيث قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت مكة أو أشد).

ـ الحرم: ورد بالحديث الشريف(المدينة حرم).

ـ الخيّرة: أي كثرة الخير. كما ورد في الحديث الشريف(والمدينة خير لهم لو كانوا
يعلمون).

ـ الدار: قال تعالى: ( والذين تبوءوا الدار والإيمان) وعرفت به لأمنها والاستقرار
بها.

ـ دار الأبرار: ـ دار الأخيار: لأنها دار المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم
والمهاجرين والأنصار، ولأنها تنفي شرارها.

ـ دار الإيمان: منها ظهر الإيمان وانتشر إلى باقي الأقطار.

ـ دار الفتح: حيث كان منها انطلاق الفتح الإسلامي.

ـ ذات النخل: لكثرة وجود النخل فيها.

ـ الشافية: ورد بالحديث(ترابها شفاء من كل داء).

ـ طابة: ورد بالحديث أن الله تعالى سمى المدينة طابة.

ـ طيْبَة: .طيِّبة: هذه الأسماء للمدينة، وقد ذكر اسم الطيبة والمطيبة في التوراة، وذلك
لطيب رائحتها، وقال ياقوت: من خصائصها طيب رائحتها وللمطر فيها رائحة لا توجد
في غيرها، وأيضاً لطهارتها من الشرك ولحلول الطيب بها صلى الله عليه وسلم ، وطيب
العيش بها ولكونها تنفي خبثها.

ـ العاصمة: لعصمتها للمهاجرين من المشركين، أو لأنها معصومة من دخول الدجال
والطاعون، أو لأنها معصومة محفوظة بالحرمة التي شرفها الله بها دعوة محمد صلى
الله عليه وسلم.

ـ الفاضحة: مأخوذ من كونها تنفي خبثها، فلا يضمر بها أحد عقيدة فاسدة أو أمر إلا
ظهر عليه، وافتضح به.

ـ قبة الإسلام: لحديث (المدينة قبة الإسلام).

ـ المباركة: لأن الله تعالى بارك فيها بدعائه عليه الصلاة والسلام لها حيث قال: (اللهم
اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)(1).

ـ المحبوبة: لأنها محبوبة إلى الله ورسوله وسائر المؤمنين، ولدعائه صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اللهم حبب إلينا المدينة.....)

ـ المحفوفة: لأنها محفوفة بالبركات والملائكة الكرام كما بالحديث الشريف (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة).

ـ المدينة: اسم للمدينة ورد ذكره كثيراً في القرآن الكريم، وإذا ذكر اسم المدينة فهو علم
على المدينة المنورة.

ـ المرزوقة: لأن الله تعالى رزقها بأفضل الخلق، أو لأنها بلد مرزوقة يأتيها الخير
والثمار من جميع الأقطار.

ـ المرحومة: وقد سميت به لأنها دار المبعوث رحمة للعالمين ومحل تنزيل الرحمة من
أرحم الراحمين وأول بلد رحمت بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

ـ المسكينة: ويعني الخشوع والخضوع لله تعالى، أو لأنها مسكن المساكين سكنها كل
خاضع لله تعالى.

ـ يثرب: اسم للمدينة قبل حلول الرسول صلى الله عليه وسلم بها، وقد نهى بتسميتها به
حيث قال من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة هي طابة) وقد ذكر
الإمام ابن حجر في حاشيته على شرح الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي، أن
أسماءها تقارب الألف.

وإن كثير من الأسماء الواردة هي صفات كريمة تدل على مكانة هذه المدينة المباركة في
حياة المسلمين وتاريخهم المجيد.


فضائل المسجد النبوي الشريف
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة الطيبة مهاجراً ـ وكان بعض أصحابه قد وصلها قبله
ـ أول شيء فعله صلى الله عليه وسلم هو بناء هذا المسجد العامر فبعد أن وصل إلى قباء
في أول الهجرة وأسس مسجدها وانتقل بعدها إلى المدينة ثم ركب راحلته فسار يمشي
معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي
فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربداً للتمر لسهيل وسهل: غلامين يتيمين في
حجر أسعد بن زرارة فقال صلى الله عليه وسلم حيث بركت به راحلته هذا إن شاء الله
المنزل، ثم دعا صلى الله عليه وسلم الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا:
لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى أن يقبله منهما هبة، حتى ابتاعه منهما. ثم بناه
مسجداً. وطفق رسول الله ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول: اللهم إن الأجر أجر
الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة.

واختيار مكان المسجد إنما هو باختيار الله سبحانه وتقديره، لأن النبي صلى الله عليه
وسلم كان راكباً راحلته وكان الأنصار رضي الله عنهم كلّما مرّ بقوم منهم دعوة صلى
الله عليه وسلم إلى النزول عندهم فكان يقول لهم دعوها فإنها مأمورة حتى أناخت عند
باب المسجد، وأما بناء المسجد فكان من اللبن وسقفه من جريد النخل طيلة حياة النبي
صلى الله عليه وسلم، واستمر كذلك إلى زمن سيدنا عثمان رضي الله عنه، مع تجديد
أبي بكر وعمر رضي الله عنهما له، لكنهما أبقياه كما كان زمن النبي صلى الله عليه
وسلم. وقد كانت قبلة المسجد يوم إنشائه إلى المسجد الأقصى ولم تكن إلى الكعبة
المشرفة، ومكث صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس أكثر من سنة.


عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى
نحو بيت المقدس فنزلت (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ
وجهك شطر المسجد الحرام) وفي رواية رضي الله عنه قال: لم يبق ممن صلى القبلتين
غيري . يعني: لم يبق من صلى إلى بيت المقدس وإلى الكعبة المشرفة غيره، وفيه
إشارة إلى تأخر وفاته، وأنه آخر من مات ممن صلى إلى بيت المقدس وإلى الكعبة.

ـ من فضائل المدينة المنورة: أن ضاعف الله سبحانه أجر الصلاة في مسجدها حتى
جعلها خيراً وأفضل من ألف صلاة تصلى في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام،
وهذا الأجر عام في صلاة الفرض وصلاة النافلة. وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه
وسلم ذكر المفاضلة فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة أو
الحسنة أو المتماسكة ما يقرب عشرين صحابيا والله تعالى أعلم ومن هذه الروايات:

ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في
مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام).

ومن فضائل هذا المسجد الشريف: أن من صلى فيه أربعين صلاة متواصلة في أربعين
وقتاً لا تفوته منها صلاة، أعطاه الله سبحانه ثواباً جزيلاً، ومنحه مزايا جليلة ، وأكرمه
جل شأنه بعدد من الكرامات: البراءة من النار، والنجاة من العذاب ، والباءة من النفاق
ولقد أكرم الله سبحانه وتعالى من يخرج من بيته يريد مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم لصلاة فيه أو تعليم أو نحو ذلك، فإن الله سبحانه يكرمه، فلا يرفع رجلاً إلا كتب
الله سبحانه وتعالى له بها حسنة، ولا يرفع الثانية إلا حط الله تعالى عنه سيئة ـ إن كان
عنده سيئات ـ وإلا فإن كل خطوة يكتب له فيها حسنة، مهما كان بيته قريباً أو بعيداً،
وهذا كله فضل من الله تعالى، ثم عمم ذلك على جميع المساجد، فمسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم هو الأولى فيها، والله أعلم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال من حين يخرج أحدكم من بيته إلى مسجدي، فرجل تكتب
حسنة، وأخرى تمحو سيئة) رواه ابن حبان وقد عنون عليه رحمه الله "ذكر الخبر
الدال على أن الخارج من بيته يريد مسجد المدينة، من أي بلد كان، يكتب له بإحدى
خطوتيه حسنة، ويحط عنه بأخرى سيئة، إلى أن يرجع إلى بلده).


ـ الروضة الشريفة:
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

ومن فضائل هذا المسجد الشريف ـ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن جعل الله
تعالى فيه بقعة من الجنة، وقد حددها صلى الله عليه وسلم، وهي فيما بين منبره
الشريف الذي كان يخطب عليه، وبيته الشريف الذي كان يسكن فيه عليه الصلاة
والسلام، وهو بيت عائشة رضي الله عنها، وليس جميع بيوته. وهذه البقعة الشريفة لم
يرد نص ثابت في تعيين بقعة من الأرض أنها من الجنة إلا هذه.
وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك منها:
ـ عن عبد الله بن زيد المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مابين بيتي
ومنبري روضة من رياض الجنة).متفق عليه



((أشهر مساجد المدينة المنورة))

ـ مسجد قباء:

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

إن من فضائل المدينة المنورة وجود عدد من المساجد التي ورد فيها بعضاً من الفضائل،
ومنها مسجد قباء الذي أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وصوله من مكة
مهاجراً، ولهذا كان لهذا المسجد من الحظوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء
الكثير، حيث كان يتفقده باستمرار وفي كل أسبوع. ومن فضائله أنه أسسه على التقوى
من أول يوم لآية (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال
يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين). ولقد اختلف في المراد بهذا المسجد الذي
أسس على التقوى على قولين: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء،
والذي يستدل أنه أريد به مسجد قباء أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن
الثناء الذي ورد في الآية بشأن طهارتهم، وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون
أن يتطهروا) قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية. وأما معنى إجابة
النبي صلى الله عليه وسلم عن الذي سأله عن ما هو المسجد الذي أسس على التقوى
من أول يوم فأجاب بقوله: (هو مسجدي هذا)، أي الحرم النبوي الشريف: ليس هو
الحصر كم هو متبادر اللفظ، بل تشريكه فيه معه. وعلى هذا نقول: إن كلا المسجدين قد
أسسا على التقوى من أول يوم، وإن كانت الآية نزلت في مسجد قباء وأهله، لأن الذي
بناه وأسسه هو النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالسر في جوابه صلى الله عليه
وسلم بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده: رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد
قباء، والله أعلم.

ومن فضائل مسجد قباء أنه لما أعاد النبي بناءه، وجعل قبلته إلى جهة الكعبة المشرفة،
جعل جبريل عليه السلام يؤم الكعبة، ويحدد قبلته، لذا كانت قبلة مسجد قباء أعدل قبلة
كما هو الحال في المسجد النبوي الشريف.

ومن عظم مكانة هذا المسجد الشريف ـ مسجد قباء ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يتعهده بالمجيء دائماً؛ كان يأتيه صلى الله عليه وسلم راكباً وماشياً ولا يمر أسبوع إلا
ويأتيه فيه، وهذا يدل على مكانة هذا المسجد الشريف عنده ، وعنايته به، كيف لا وهو
أول مسجد يقام لجماعة المسلمين بشكل علني، بناه النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن
يصل إلى المدينة المنورة، ويبني فيها مسجده، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً.

ومن فضائل مسجد قباء ـ وهو معدود في فضائل المدينة المنورة ـ أن من أتاه وصلى فيه
ركعتين، كان له من الأجر كأجر عمرة كاملة، وهذا فضل من الله تعالى ونعمته، أنعم بها
على عباده وتكرم بها على أهل المدينة ومن نزل بها، فعن سهل بن حنيف رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباء،
فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمرة).


ـ مسجد القبلتين:

نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

يحتل مسجد القبلتين مكانة رفيعة في التاريخ الإسلامي، فهو يمثل لجميع المسلمين
الواقعة التاريخية العظيمة حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس، ثم
أمر بالتحول إلى الكعبة المشرفة، ولقد أخبر المصلون في هذا المسجد أثناء الصلاة من
تحول القبلة إلى مكة، فتحولوا إليها في أثناء صلاتهم، ولهذا سمي مسجد القبلتين. وكان
هـذا التحول مظهر استقلال عظيم للمسلمين ولدين الإسلام الذي أشعل في قلوب اليهود
ناراً حامية من الحقد الدفين والحسد الشديد فتقاولوا فيما بينهم (ما ولاهم عن قبلتهم
التي كانوا عليها) فرد الله عز وجل بقوله (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء
إلى صراط مستقيم).

ولكن هذا التحول لم يحدث في مسجد القبلتين فحسب، بل هناك مساجد أخرى انحرف
فيها المصلون إلى الكعبة وهو في الصلاة، عندما جاءهم من يخبرهم بتحولها إلى الكعبة
الشريفة. ولقد اختلف في أي مسجد حدث فيه التحول أهو مسجد القبلتين أم المسجد
النبوي لكن القول الأرجح أن التحول حدث أول في المسجد النبوي.


((أشهر جبال المدينة المنورة))

جبل أحد:


نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي

ويبعد عن المسجد النبوي 4 كم ، وقعت غزوة أحـد في سفوحه الجنوبية ، ولذلك سُمّيت
غزوة أحد وكان جبل أحد عن يمين جيش النبي صلى الله عليه وسلم وجبل الرماة عن
يساره وسمُي الجبل بهذا الاسم (جبل أحـد) لتوحده وتفرده ، فهو غير مرتبط بسلاسل جبال من حوله.
وفيه قصة اهتزازه الشهيرة لقدوم النبي صلى الله عليه وسلم ..


بحق تاريخ المدينة المنورة لن تكفيه مجلدات وبحوث لــ/سرده..


(بالاستعانة من : فضائل المدينة المنورة، د. خليل خاطر )


دمتم بخير
نقره لتكبير أو تصغير الصورة ونقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة بحجمها الطبيعي