لكل دولة لغة مؤشرة خاصة بالصمّ الموجودين فيها


يعتقد الكثير من السامعين أن جميع الصم يستخدمون لغة مؤشرة واحدة وتعلو الدهشة محياهم عندما يعلمون أن لكل بلد لغة مؤشرة خاصة به تختلف عن باقي الدول، ليس هذا فقط، وإنما قد يكون هناك أكثر من لغة في البلد الواحد. ويتساءلون: لماذا لا يستخدم الصم لغة مؤشرة واحدة؟

مثلما أنه لا توجد لغة منطوقة واحدة تستخدم في جميع الدول، كذلك لا توجد لغة مؤشرة واحدة تستخدم في جميع الدول. ومثلما توجد لهجات مختلفة بين مناطق البلد الواحد، توجد أيضاً إشارات مختلفة بين مناطق البلد الواحد. وحيثما وجد الصم في أي مكان في العالم فستوجد لهم لغة مؤشرة يتمكنون من خلالها من التواصل مع بعضهم البعض.

في أوروبا وحتى داخل الدولة الواحدة نجد اختلافات كبيرة في الإشارات من مدينة لأخرى، بينما لغة الإشارة الأمريكية وبالرغم من امتلاكها للعديد من اللهجات والنبرات المحلية والإقليمية تعتبر موحدة ومقننة كفاية لتكون مفهومة من مستخدمي لغة الإشارة الأمريكية من الساحل إلى الساحل. فالأصم من كاليفورنيا التي تقع في غرب أمريكا لن يجد صعوبة في التواصل مع أصم من نيو إنجلترا والتي تقع في شرق أمريكا. لغة الإشارة الأمريكية تستخدم أيضاً في كندا بالإضافة للغة الإشارة الفرنسية المستخدمة في إقليم الكويبيك الواقع شرق كندا. مع العلم أن لغة الإشارة الفرنسية المستخدمة في إقليم الكويبيك تختلف تماماً عن لغة الإشارة الفرنسية المستخدمة في فرنسا.

قبل مجيء "لوران كليرك"، الذي يعتبر أول تربوي أصم في أمريكا، والذي حضر من فرنسا برفقة "توماس هوبكنز جالوديت" في 18 يونيو 1816 وأسسا معاً أول مدرسة للصم عام 1817 في هارتفورد - كونيكتيكات واستخدما لغة الإشارة الفرنسية في تعليم الصم، كان الصم الأمريكان يستخدمون لغات مؤشرة قبل قدوم كليرك وهي لغة الإشارة القومية للـ Chilmark و Tisbury ولغة إشارة مارثا فاينيارد وهي جزيرة تقع في شرق أمريكا في ولاية ماساشوستس كان معظم سكانها من الصم وجميع السكان يتواصلون عن طريق لغة إشارة مارثا فاينيارد حتى السامعون منهم.

وعلى الرغم من أن لغة الإشارة الأمريكية تأثرت بلغة الإشارة الفرنسية إلا أن هناك العديد من الإشارات الفرنسية المستعارة تم تغييرها بمرور الوقت. وبينما تنتمي لغة الإشارة الأمريكية لنفس عائلة لغات الإشارة الفرنسية والإسبانية كونها تشترك في بعض الإشارات إلا أنها مختلفة تماماً عن لغة الإشارة البريطانية التي لم تتأثر إطلاقا بلغة الإشارة الفرنسية.

لغات الإشارة الإسكندنافية مثل لغة الإشارة السويدية التي بدئ في اكتشافها ودراستها شكلت مجموعة هامة، غنية ونابضة بإمكانياتها الفنية. لغات الإشارة الآسيوية مثل لغة الإشارة اليابانية ولغة الإشارة التايوانية تختلف تماماً عن أي من لغات الإشارة الأوروبية. جميع مدارس الصم في اليابان وعددها 106 مدارس تتبع نظام وزارة التربية والتعليم اليابانية وتطبق الطريقة الشفهية، لكن هناك حوالي 3 مدارس للصم بدأت بالاعتراف بلغة الإشارة اليابانية واعتمادها في تعليم الصم وسيتم افتتاح مدرسة جديدة للصم في طوكيو العام القادم. بعض لغات الإشارة الأفريقية تأثرت بلغات الإشارة القومية للمبشرين. ولا شك أن هناك العديد من اللغات المؤشرة الغنية الكاملة لم يتم التعرف عليها ودراستها بشكل كاف. وعلى سبيل المثال في نيكاراجو قام الأطفال الصم بابتكار لغة إشارة جديدة.

كل لغة مؤشرة تختلف عن أخرى لأنها انعكاس لتاريخ وثقافة وعادات وتقاليد المجتمع والبيئة التي يعيش فيها الأصم. لهذا نجد في أغلب هذه اللغات المؤشرة المختلفة إشارات مختلفة لمفاهيم عالمية مثل:
"أم"، "أب"، "ولد"، "بنت"، "يوم"، "ليل"، "شجرة"، "ماء"، "جيد"، "سيئ".. وهكذا. كل لغة مؤشرة لها عدد لا يحصى من الإشارات الإقليمية المختلفة. وقد يكون هناك إشارة لها معنى مقبول في إحدى اللغات لكن نفس الإشارة قد يكون لها معنى فاحش في لغة أخرى.

من يجيد استخدام اللغة المؤشرة في بلد ما، يستطيع التواصل بسهولة مع مستخدمي لغة مؤشرة لبلد آخر رغم اختلاف اللغتين بعكس مستخدمي اللغات المنطوقة الذين يجدون صعوبة في التواصل إن لم يكن أحدهما أو كلاهما يجيدان اللغتين. الصم بإمكانهم أن يكونوا مبدعين وبارعين في إقامة جسور لسد ثغرات اللغة من خلال الارتجال واستخدام الإيحاءات والتمثيل الإيمائي والتعابير وكل ما من شأنه إيصال المعنى للطرف الآخر.

هناك لغة إشارة دولية يستخدمها الصم الدوليون في ملتقياتهم حيث تم تطوير مفردات إشارية دولية زائفة ومصطنعة يطلق عليها الجيستينو وهي مثل لغة الإسبيرانتو للسامعين تم تطويرها في منتصف السبعينات بواسطة لجنة توحيد الإشارات في الاتحاد العالمي للصم. غير أن الجيستينو في الحقيقة لم تستطع الإلمام بجميع احتياجات الحياة اليومية لكنها مفيدة في ملتقيات الصم الدولية حيث يصعب صف عدد كبير من المترجمين لكل لغة إشارة قومية.

يذكر أنه في حفل افتتاح مؤتمر ومهرجان طريق الصم الدولي والذي أقيم في واشنطن دي سي في 9 يوليو 1989 م وحضره حوالي 5500 شخص من 76 دولة استخدم منظمو المؤتمر الصم إشارات الجيستينو في التقديم والتواصل مع الجمهور. كما كان هناك فيديو بإشارات الجستينو. والإشارات التي تم استخدامها بسيطة ومنطقية ومعروفة عالمياً قدر الإمكان.

وحيث إن إشارات الجيستينو نشأت عن طريق لجنة وليس عن طريق مجتمعات الصم، فهي إذن لا تعتبر لغة حقيقية. وقد تم تغيير العديد من إشارات الجيستينو واستبدالها بإشارات اقترحها الصم الدوليون. حيث إن إشارات الجيستينو تبنى جزئياً على لغة الإشارة الأمريكية والتي تعتبر أكثر اللغات المؤشرة معروفة عالمياً.