وهي ظاهرة غريبة وطريفة جدا، يمارسها الصم والبكم وهم يحملون أجهزة جوال حديثة"ترن" وتصدر أصوات في جيوبهم دون استماعهم إليه ويقبل معظمهم إن لم يكن جميعهم إلى ضرورة شرائها وتقديم طلب خدمتها من شركة الاتصالات للحصول على خدمة الرسائل التي ظهرت في حياتهم وسيلة ضرورية جداً للتواصل فيما بينهم رغم عدم حاجتهم النهائية إلى المكالمات لظروف إعاقتهم السمعية، ولكن الرسائل أحدثت في حياتهم نقلة لم تكن موجودة وأحيت في أوساطهم أمل الاتصال بالآخرين وسهلت حياتهم المعيشية والاتصالية، بما يوفر عليهم جهدا كانوا يتكبدون معه عناء الانتقال للإبلاغ عن جملة طارئة أو كلمة مختصرة تعبّر عما يدور في دواخلهم.
وحياتهم أصبحت "رهن" رسائل الجوال بإشاراته المضيئة واهتزازاته التنبيهية التي تعلن عن قدوم اتصال من صديق أو زوجة أو أحد أفراد الأسرة
والظاهرة الملفتة والطريفة أن الأصم يحمل جهاز جوال يستقبل اتصالات في بعض الأحيان ولا يسمع رناتها، وتجد الآخرين ينبهونه باستقبال اتصال خاص، ويعتقد الكثير بأنه موجود في جيبه على سبيل سد النقص في شخصيته أو محاولة منه للمساواة بالآخرين "الأسوياء" ومجرد ديكور خارجي. وقد ينظر له البعض بعين الشفقة عند ملاحظة الحرص الشديد من وقت لآخر على متابعة ما يستقبل من إشارات أو حرصه أيضا على متابعة الجديد في هذا المجال من ظهور أجهزة حديثة ذات مزايا خاصة.* نهاية العزلة الاجتماعية:
ولكن هذا الأصم هو بالتأكيد يستفيد عمليا أكثر بكثير جدا من غيره من الأسوياء الذي يحملونه لمجرد ضرورة شرائه والحصول على تقنية اتصالاته. فرسائل الجوال في حياة الصم أصبحت من أهم مظاهر حياتهم العملية والاجتماعية وقبلها لم يكن لأبناء هذه الفئة القدرة على الاتصال ببعضهم البعض وبذويهم وأقربائهم وهو حياتهم ليس من باب رفع المعنويات والمساواة بالآخرين إنما ضرورة حياتية ملحة وأساسية وبدونه يعودون لحالة الانقطاع عن الآخرين أو حالة العزلة لعدم مقدرتهم على الاتصال واستخدام جهاز الهاتف بحكم ظروف إعاقتهم.. فرسائل الجوال جاءت في حياتهم تسد خدمات في غاية الضرورة والحساسية ووفرت عليهم عناء تكاليف الاتصال بالآخرين والذي لا يتم إلا بالذهاب والانتقال إلى موقعهم لنقل ما يريدون قوله باستخدام لغة الإشارة الوصفية* لاعتذارات على طول الخط:
عوض الخديدي من "معهد الأمل الثانوي للصم بجدة" يقول إن رسائل الجوال أصبحت في حياتنا رابطا جميلا، حيث يمكننا من الاتصال بالناس وتقوي العلاقات فيما بيننا وبين أحبائنا، وقبل هذه الرسائل كان الأصم ينقطع عن أصدقائه من أفراد هذه الفئة انقطاعا كليا لعدم توفر المقدرة على الاتصال بواسطة لغة الإشارة لا عبر الهاتف المسموع ولا باستخدام أي وسيلة اتصالية فعالة مما يجعلنا نضطر إلى تحديد الموعد مع أي صديق له يود رؤيته بشكل قاطع لا يقبل التغيير تحت أي ظرف من الظروف لعدم القدرة على الاتصال وإبلاغ الرغبة الخاصة لعدم الحضور للظروف الطارئة سواء كان اللقاء بهدف النزهة أو قضاء احتياج أو مشوار تسوق خاص، ويكبد رفيقه وصديقه عناء الانتظار لوقت ربما يكون طويلا، ويسبب ذلك حرجا فيما بيننا عند تقديم الاعتذار للأسباب المقنعة وهذا ما قدمته رسائل الجوال لهذه الفئة من خدمة هامة كانت تنقص حياتهم وتسبب لهم الحرج ليس فقط عند الاتصال والتواصل مع أقرانهم المعاقين بل حتى مع ذويهم وأقربائهم أو أصدقائهم العاديين، فالرسائل جاءت لهم بعد عمر مديد من الانتظار لخدمة كهذه فعالة وسريعة ومؤدية للغرض والهدف. الأمر الذي جعل الصم يتدافعون لشراء أجهزة الجوال ويجارون الغير في اقتناء جديد السوق ومتابعة كل "صيحة" في هذا العالم.. لا لمجرد.. الفشخرة والرغبة في البحث عن الجديد، وإنما للحاجة الماسة إلى شراء أحدث أنواع جوالات تقدم خدمات الرسائل بكفاءة عالية وأداء ممتاز.*الحاجة هي الدافع الأساسي:
أحمد شوفان من مؤسسة النقد يقول: "إن ذوي المعاقين سمعيا يحرصون على شراء أجهزة جوال خاصة بالصم علما بأن البعض كان يعتقد أن هذا الإجراء من باب رفع المعنويات وجبر خاطر الأصم ومساواته بغيره من الأسوياء، إنما كانت الضرورة القصوى والمطلب الأساسي التي تدفع الأسرة إلى تزويد الابن الأصم بجهاز جوال خاص به لمراسلتهم برسائل الجوال عند الرغبة في الخروج أو عند مصادفة أي ظرف طارئ يتعرض له دون أن يستطيع أن يقدم له أحد فرصة المساعدة وهو يتحدث أمامهم بلغة الإشارة التي لا يفهمها أحد غير ذوي الصم أو معلميهم أو أصدقائهم المقربين من الأسوياء إن وجدوا، لذلك كان الأصم وكثير منهم لا يزالون يعيشون حالة عزلة اجتماعية لعدم معرفتهم بما يدور حولهم، وان كانت الجهود في السنوات القليلة الماضية قد تضاعفت من أجل التنويه عن هذه الفئة والتعريف بظروف إعاقتها ولغة الإشارة التي بدأت بعض البرامج التلفزيونية تعتني لها لخدمة المواطنين من "الصم" في هذا البلد.
والتقينا أيضا بمحمد غفورجي - أصم ويعمل في مركز المعلومات بجدة حيث أكد بان الأصم لا يستطيع بدون لغة الإشارة فهم ما يدور حوله فالإعاقة قاهرة وهذا ما يجبر أهاليهم وذويهم على تعلم لغة الإشارة بطرقها الصحيحة واستخداماتها للأحرف والعبارات الوصفية الاشارية فبالقرب منه يعرفون ظروفه وهمومه ويسعون لمعالجة مشكلاته بادراك ووعي وفهم وليس بالأسلوب العشوائي الذي يجعل الأصم في حالة عزلة اجتماعية مهما كان يعيش في مجتمعه ووسط أفراد أسرته.*أكبر المستهلكين على الإطلاق:
وقد التقينا مجموعة من المواطنين الصم منهم عبدالعزيز الأحمدي وعبدالله الأحمدي من أمانة جدة وهشام منصور من وزارة الزراعة وجميعهم أكدوا بان الصم هم من أكبر مستهلكي رسائل الجوال وان الفواتير التي تصدر بشأنهم قد لا يتوقعها احد من الارتفاع المبالغ التي قد تصل إلى أكثر من "700" ريال للحاجة إلى خدماتها في حياتهم اليومية واستخداماتهم العامة لا سيما بعد ما وفرته من عناء ومجهود الاتصال ببعضهم البعض، وهي من أجمل وشائج الود وملامح التقارب، والتي من بينها الابتسامات والنكت التي يبعثونها لبعضهم وأصبحت في حياتهم ملمحاً فريداً وطابعاً يزيد من قوة العلاقات التي تربطهم ببعضهم البعض خلال الأوقات التي لا يلتقون فيها أو الأيام التي ينقطعون عن بعضهم فيها فمعروف بان الصداقة التي تربط الصم قوية ومتينة ويعتريها قدر كبير من الصدق والإخلاص والمحبة للشعور الواحد الذي يجمعهم تحت مظلة ظرف إعاقة واحدة وظروف اجتماعية متشابهة وفي ظروف نفسية أيضا متقاربة أهم ما فيها وابرز ملامحها هو التحدي الذي يدخله كل أصم لتحقيق الذات واثبات القدرة على النجاح والتفوق والإنتاج مثلهم مثل اقرأنهم الأسوياء دون أن يكون للإعاقة عراقيل تثنيهم في أيام وسنوات الدراسة أو مجالات التدريب أو في ظروف العمل، وميادينه وغير ذلك من مجالات الاحتكاك والمنافسة الشريفة التي ينتظرها كل معاق مخلص لمجتمعه ووطنه ودينه، وهذا يتحقق في مجالات علمية كثيرة خاضها الصم والمعوقون حركيا والمكفوفين واثبتوا أنهم قادرين على العطاء والمنافسة والإنتاج واثبتوا بالفعل والعمل أنهم بحرصهم وصدقهم ونشاطهم أفضل بمراحل من مواطنين أسوياء متكاسلين ومهملين وغير مبالين بحياتهم وبعملهم ودورهم في المجتمع وخدمته، ومن هنا يجب على المجتمع صغيره قبل كبيره أن يقف احتراما وتقديرا وثناء لكل معوق تعلم وتدرب من أجل أن يكون سويا في خدمة أهله وبلاده فكان أكثر رحمة من سوي غير مبال.
*الإنسانية في مسئولي الاتصالات:
والاقتراح (الإنساني) نقدمه للمسئولين في شركة الاتصالات السعودية للنظر في أمر رسائل الجوال وأسعارها كخدمة مخصصة للمواطنين الذين يعانون من معاناة الإعاقة السمعية وجاءت رسائل الجوال في حياتهم سبيلاً وحيداً للتواصل اليومي ويوفر لهم عناء ومشكلات الاتصال ببعضهم وبذويهم حيث بدونها يكون الاتصال مستحيلا سواء منهم أو إليهم الأمر الذي يجعل بعضهم يستقبل فواتير رسائل الجوال وتصل خلال الشهرين المحددة لقطع واحتساب الفواتير الدورية " 700ريال" تكلفة رسائل تعينه على الاتصال بذويه وأصدقائه وزملائه وهي في حياته أصبحت خلال سنوات معدودة ضرورة ملحة لا جدال في توفيرها لممارسة حياة يومية تتيح له التواصل وترحمه من عناء الانعزال التام لو أراد إبلاغ الآخرين بأي كلمات تغنيه عن تكبد وقطع مسافات طويلة ولربما كانت بالنسبة لبعضهم وسيلة للاتصال من مدينة لأخرى لابلاغ معلومة يثق في مصداقية وسرعة ودقة وصولها للآخرين ويستقبل بعدها بدقائق معدودة تأكيد وصولها من ذويه وأصدقائه فهي في حياتهم ترفيه عوض قدرتهم المفقودة على الاتصال والتواصل، وضرورة ملحة وهامة لا جدال في أهمية تأمينها في حياتهم اليومية، فربما ينظر المسئولون في الشركة السعودية للاتصالات إلى استثناء خاص "لحالتهم" والتي ينظر المجتمع بكل فئاته ومؤسساته وقطاعاته إلى ضرورة استثنائهم لمعاناتهم الصعبة وحتى يكون المجتمع وفيا لأبنائه المعوقين الذين يضطلعون إلى شرف خدمته وطموح مساواة الآخرين في مجتمعهم وإخلاصهم له في تحد مع الإعاقة وظروفها الصعبة، وهم كفئة لا تحتاج إلى جميع خدمات الجوال وإنما فقط لتوفير خدمة الرسائل والتي يطلق كل منهم بالعشرات يوميا إلى الآخرين في ابسط المسائل الحياتية واعقدها.
(تحقيق: عبدالعزيز عمر أبوزيد تصوير: محسن سالم)





LinkBack URL
About LinkBacks
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)